منظر تنظيم «الجهاد»: نصر الله وقادة حماس أشعلوا الحرب مع إسرائيل ثم تترسوا بشعوبهم

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

Table of Contents:

  • منظر تنظيم «الجهاد»: نصر الله وقادة حماس أشعلوا الحرب مع إسرائيل ثم تترسوا بشعوبهم
  • Page 2
  • Page 3
الدكتور فضل في كتاب تنشره «الشرق الأوسط» : ما تفعله حماس مصادم للدين الآمر بالحرص على الرعية ولكن قادة الحركة أعلنوا أنه لا مانع لديهم من إبادة غزة

يستكمل السيد إمام عبد العزيز شريف (الدكتور فضل) منظر تنظيم «الجهاد» المصري، خواطره في المسألة الغزاوية، التي كتبها خلال الهجمة الإسرائيلية الأخيرة على غزة، وحملها كتابه «قميص غزة» الذي تنشر «الشرق الأوسط» بشكل حصري حلقات منه.

وفي حلقة اليوم يتحدث الدكتور فضل عن «الخاطرة الرابعة» التي تتمحور حول ما وصفه بالتصرف مع العدو بحسب القدرة لا بحسب الواجب، يقول: مع بداية مأساة غزة الحالية طالب قادة حماس (حكام غزة) أهالي غزة بالصبر والثأر، وأنهم لن يستسلموا ولو تمت إبادة غزة كلها. وهذا الكلام ليست له أي صلة بدين الإسلام الذي سيحاسبنا ربنا على أساسه. فلا يجوز إجبار الناس على ما لا طاقة لهم به، ثم تحميل الآخرين تبعات ذلك، وتوزيع الاتهامات بأن هذا خان القضية وهذا باع القضية.

وقادة حماس الآن يأمرون أهل غزة بما لم يأمر به النبي ـ صلى الله عليه وسلم أصحابه ـ وهم خير أمة الإسلام؛ ففي حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وُجدت عدة مجتمعات إسلامية في أماكن وظروف مختلفة، وعمل كل منها باختيار شرعي بحسب ظروفه، من دون نكير من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أحد، ومنها:

1. مسلمون متمكنون لهم منعة في دولة إسلامية، مجاهدون، وهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه بالمدينة بعد الهجرة.

2. مسلمون متمكنون في أرضهم لم يهاجروا إلى المدينة، وهم مخيرون في المشاركة في الجهاد من عدمه، وهم أعراب المسلمين المذكورون في حديث بريدة الذي رواه مسلم.

3. مسلمون مستضعفون مضطهدون تحت سلطة كافرة محاربة، وهم عاجزون عن الهجرة والجهاد، وهم من بقي بمكة بعد الهجرة، ولم يأمرهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجهاد رغم تشريعه، وعذرهم الله في قوله تعالى: (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) (النساء 98-99).

4. مسلمون مستضعفون غير مضطهدين وهم تحت سلطة كافرة مسالمة لهم، وهم المهاجرون بالحبشة، وهؤلاء أيضا لم يؤمروا بالجهاد رغم تشريعه.

5. أما المجتمع الخامس الذي وُجد أيضا في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو مجتمع المسلمين في اليمن وقت ظهور الأسود العنسي الكذاب الذي ادعى النبوة واستولى على صنعاء، فانقسم الصحابة معه ثلاثة أقسام: منهم من عاد إلى المدينة، ومنهم من تخفى في اليمن، ومنهم من بقي في صنعاء يحتال على الأسود حتى قتله. ولم يعاتب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحدا منهم، وذكر خبرهم ابن جرير الطبري في «تاريخ الرسل والملوك».

6. وعندما خرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه معتمرين في سنة 6هـ، ونزلوا بالحديبية خارج مكة، «دعا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة ليبلغ أشراف مكة ما جاء له، فقال عمر: (يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بمكة أحد من بني عدي يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياهم وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعزّ بها مني: عثمان بن عفان)، فدعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عثمان بن عفان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحربٍ وإنما جاء زائرا لهذا البيت مُعظما لحرمته». ذكره ابن كثير في «البداية والنهاية» مجلد2 صـ598، طـ دار الغد العربي. فهذا عمر بن الخطاب خاف الذهاب إلى مكة، وهو الذي وصفه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر) الحديث صحيح رواه أحمد والترمذي.

وقد كان ما سبق كله من الخيارات المشروعة للتصرف مع الأعداء بحسب القدرة، واختيار ما هو فوق الطاقة قد يعني الهلاك، ولهذا لم يأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من بقي بمكة من المستضعفين بالجهاد، إذ كان ذلك يعني هلاكهم. ولهذا أيضا انسحب خالد بن الوليد رضي الله عنه من غزوة مؤتة مع الروم حتى لا يعرض جيش المسلمين للهلاك لعدم التكافؤ، وأثنى عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسمّاه (سيف الله) وسمّى صنيعه (فتحا).

فإذا لم توجد القدرة على قتال العدو فقد وجبت مهادنته، كما قال الإمام السرخسي ـ رحمه الله ـ: (ولأن حقيقة الجهاد في حفظ المسلمين قوة أنفسهم أولا، ثم في قهر المشركين وكسر شوكتهم، فإذا كانوا عاجزين عن كسر شوكتهم كان عليهم أن يحفظوا قوة أنفسهم بالموادعة إلى أن يظهر لهم قوة كسر شوكتهم) من (شرح السير الكبير) 1/133، طـ دار الكتب العلمية.

والقاعدة الفقهية تنص على أن (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة)، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ما يسرني أن تفتحوا مدينة للمشركين بفقد رجل مسلم).

وحاصل ما سبق: هو أن الجهاد (أو مقاومة العدو) ليس من المقدسات التي لا يجوز التخلي عنها، وإنما هو أحد الخيارات مع العدو بحسب مصلحة المسلمين التي يقدرها أهل العلم بالدين والواقع لا أهل الانتهازية السياسية الذين يتخذون المقاومة وسيلة لكسب شرعية أو شعبية ولو بالتضحية بالشعب.

ومما سبق نعلم أن ما تفعله حماس في غزة هو عبث ليس له صلة بدين الإسلام، فهُم قد فرضوا على أهل غزة معركة لم يفرضها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على من بقي بمكة من المسلمين بعد هجرته، ومعركة انسحب منها خالد بن الوليد. فرضت حماس المعركة على أهل غزة وهي عاجزة عن حمايتهم وتأمينهم، وليس لديها أي دفاعات جوية، وغزة ليست أرضا حصينة بل هي سهل منبسط مكشوف بلا جبال ولا غابات. فلا يجوز الخلط بين عبث حماس ودين الإسلام، فما تفعله حماس مصادم للدين الآمر بالحرص على الرعية، ولكن حماس أعلنوا أنه لا مانع لديهم من إبادة غزة. وإن الله سبحانه سوف يسأل قادة حماس عن كل قطرة دم سالت في غزة وعن كل خراب وقع، كذلك قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) الحديث متفق عليه، وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ (إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه: حَفِظَ ذلك أم ضيّعه). ما يجري الآن في غزة ليس هو الهجوم المباغت للعدو على البلدة بغير إرادة أهلها، وإنما هو استفزاز العدو من جانب حماس ليهجم على البلدة عن عمد لأغراض سياسية تريدها حماس على حساب الشعب.

الشرق الأوسط
No votes yet